الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي
158
موسوعة التاريخ الإسلامي
القصّة على عهد أنوشيروان أي في العهد الساساني الذهبي ، وتشهد هذه القصّة على أنّ الأكثرية الساحقة من الناس لم يكن لهم حقّ التعلم . يقول الفردوسي : كان أنوشيروان بحاجة إلى المعونة المالية لقتال الروم ، فانّ أكثر من ثلاثمائة ألف جندي إيراني كانوا يحاربون الروم وهم في إعواز شديد للأسلحة والطعام . وكانوا قد أبلغوا انوشيروان بذلك ، فاضطرب انوشيروان وخاف على مصيره من ذلك ، ودعا إليه وزيره العالم « بزرك مهر » ليشاوره في الأمر ، ويقول انوشيروان : إنّ على الوزير أن يذهب إلى بلاد مازندران ليجمع المال اللازم لذلك من الناس ، ويقول بزرك مهر : إنّ الخطر قريب وعلينا أنّ نفكر في الخلاص السريع ولذلك يقترح على الملك أن يقترض من الناس فيقبل الملك على أن يعجّل في الأمر ، ويبعث بزرك مهر رسله إلى القرى والمدن القريبة ليبلّغوا أغنياءها بالأمر . ويحضر تاجر يعمل في تجارة الأحذية ويستعد لدفع جميع مصارف الحرب بشرط واحد هو : أن يسمح لولده بالتعلم والوزير لا يرى مانعا عن إجابة ملتمسه ، فيسرع إلى خسرو أنوشيروان ويبلغ الملك أمل الرجل ، فيغضب أنوشيروان لذلك وينهر وزيره ويقول له : ما هذا الطلب الّذي تتقدم به أنت ؟ ! ليس من الصلاح أن نستجيب لهذا الطلب ، فإنّه بخروجه عن طبقته ينخر في كيان النظام الطبقي ، وهذا ضرّه أكثر من نفع ما يدفعه من الذهب والفضة ! فانّ ابن التاجر إذا تعلّم فأصبح عالما ذا فنّ وهب له علمه آذانا صاغية وعيونا ناظرة ، فإذا جلس ابني على سرير الملك واحتاج إلى كاتب استخدمه ولم يبق للعلماء من أبناء البيوتات والأسر سوى أن يتحسّروا